لم يعد «موسكو سيتي» تجربةً تجريبية منذ زمن طويل. فعلى مدى عقدين من الزمن، تحوّل إلى مجمّع أعمال مكتمل له منطقه الخاص وكثافته وحدود نموّه. غير أن نجاحه نفسه طرح على المدينة سؤالًا جديدًا: أين وكيف سيتطوّر مركز الأعمال في موسكو لاحقًا؟
أصبح الجواب على هذا السؤال يُعرَّف بشكل متزايد بمفهوم «المدينة الكبرى» — وهي ليست حيًّا منفصلًا ولا علامة تجارية، بل منظومة من المناطق التجارية والعامة المترابطة والموزّعة على المحاور الحضرية الرئيسية. ويتشكّل اليوم أحد أكبر وأكثر مكوّنات هذه المنظومة دلالةً في شمال-غرب موسكو — في منطقة جادة لينينغرادسكي، وممرات بوتكينسكي، والعقدة الرياضية-التجارية «دينامو».
إن مشروع التطوير المتكامل للأراضي (KRT)، الذي جرى تحليل وثائقه بالتفصيل (27 صفحة من المواد التخطيطية والاقتصادية والهندسية)، يتيح رؤية كيف تتحوّل المدينة الكبرى من مفهوم نظري إلى عملية حضرية واقعية.

من موسكو سيتي إلى المدينة الكبرى: منطق توسّع مركز الأعمال
تم تصميم «موسكو سيتي» في الأصل كجيب أعمال مدمج. وقد أدّت الكثافة العالية للمكاتب والسكن والخدمات والعُقَد النقلية إلى تأثير قوي، لكنها في الوقت ذاته خلقت قيودًا طبيعية:
-
ضغط زائد على شبكة الطرق والشوارع؛
-
ارتفاع الأسعار ونقص المساحات؛
-
صعوبة زيادة الكثافة دون تراجع جودة البيئة الحضرية.
في ظل هذه الظروف، انتقلت المدينة من فكرة «المركز الواحد» إلى نموذج الحزام التجاري الموزّع. فالمدينة الكبرى ليست بديلًا عن موسكو سيتي، بل امتدادًا له وتعزيزًا لدوره. ويبقى موسكو سيتي هو النواة، فيما تتولّى المناطق الجديدة جزءًا من الوظائف: المكتبية، والعامة، والتعليمية، والطبية، والمؤسسية.

وقد أصبح الاتجاه الشمالي-الغربي — جادة لينينغرادسكي، ودينامو، وحديقة بتروفسكي — أحد المحاور الرئيسية لهذا التوسّع.
لماذا هذه المنطقة تحديدًا
المنطقة المعنية ليست حيًّا سكنيًّا قائمًا، بل مجمّعًا صناعيًّا وإداريًّا كبيرًا ظلّ معزولًا عن الحياة الحضرية لعقود:
-
مؤسسات الطيران والدفاع (شركة «ميغ» للطائرات، ومكتب تصميم «سوخوي»)؛
-
بنية تحتية تخزينية وهندسية؛
-
مبانٍ إدارية متفرّقة؛
-
وظيفة سكنية محدودة للغاية.
من منظور التخطيط الحضري، تُعدّ هذه «منطقة مغلقة» تقليدية في قلب مدينة كبرى — وهي بالضبط النوع من المناطق الذي أصبح الهدف الرئيسي لآلية KRT.

ومن المهم التأكيد على أن الأمر لا يتعلّق بتطوير نقطي، بل بتحوّل كامل لمساحة 63.55 هكتارًا ضمن إطار KRT، ونحو 90 هكتارًا ضمن حدود مشروع التخطيط.
حجم المشروع: الأرقام كحجج
يتجاوز المشروع بوضوح حدود التطوير المحلي:
-
إجمالي المساحة الطابقية — أكثر من 2.5 مليون متر مربع.
-
التطوير السكني — نحو 1.4 مليون متر مربع.
-
التطوير العام-التجاري — أكثر من 900 ألف متر مربع.
-
فرص العمل — حوالي 30 ألف وظيفة.
-
عدد السكان الدائمين — نحو 16 ألف نسمة.
ومن حيث توازن «العمل / السكن»، تتحوّل المنطقة إلى مُزوِّد للتوظيف لا إلى حيٍّ للنوم — وهو أحد المؤشرات الأساسية لمجمّع أعمال ضمن المدينة الكبرى.

التنفيذ المرحلي كأداة للتنمية المستدامة
تم تصميم المشروع لفترة تقارب 25 عامًا، ويُنفّذ على ثلاث مراحل، لكل منها منطقها الخاص:
-
المرحلة الأولى — إطلاق المنطقة: البناء الأساسي، بدء البنية التحتية الاجتماعية، وبداية إعادة التوطين.
-
المرحلة الثانية — ذروة النشاط: تشكيل النواة التجارية، مجمّعات المكاتب، والبناء واسع النطاق.
-
المرحلة الثالثة — الاستكمال: مرافق الرعاية الصحية، الأحياء النهائية، ودمج منطقة مكتب تصميم «سوخوي».
يختلف هذا النموذج جذريًّا عن «التطوير السريع»: إذ يتم إدخال المرافق الاجتماعية والمدارس ورياض الأطفال بالتوازي مع السكن، وليس بعده.

دور المدينة: ليست مطوّرًا بل مهندس القواعد
يُعدّ النموذج المالي للمشروع دالًّا:
-
إجمالي حجم الاستثمارات — حوالي 850 مليار روبل.
-
حصة المدينة — أقل من 0.5%.
لا تموّل المدينة التطوير التجاري. ويتركّز دورها في النقاط الحرجة:
-
إعادة التوطين والهدم؛
-
البنية التحتية للنقل؛
-
منح لزيادة الطاقة الاستيعابية للمدارس.
هذا نموذج كلاسيكي من الجيل الجديد لآلية KRT، حيث تضع المدينة الإطار والتوازن بدلًا من أن تحلّ محل المستثمر.

العمارة والمشهد الحضري
يشكّل المشروع واجهة تطوير جديدة على امتداد جادة لينينغرادسكي — إحدى أكثر شوارع موسكو مكانةً وأهميةً من حيث المشهد البصري.
المرتكزات العالية:
-
لا تُنشئ جدارًا متصلًا؛
-
تُشكّل أفقًا حضريًّا مقروءًا؛
-
تدخل في حوار مع Prime Park، وVTB Arena، وAlcon Tower.
تعمل جادة لينينغرادسكي هنا بوصفها شاشة تخطيط حضري للمدينة الكبرى، تُضاهي في أهميتها بانوراما بريسنيا.

البنية الاجتماعية كأساس
يتضمّن المشروع:
-
مدرستين كبيرتين (1600 و1700 طالب)؛
-
رياض أطفال بسعة إجمالية 750 مكانًا؛
-
عيادة متعددة التخصّصات بطاقة 750 زيارة في الوردية؛
-
مرافق رياضية وثقافية؛
-
خدمات مدمجة في كل حيّ.
يُشكّل ذلك حيًّا حضريًّا متكاملًا، وليس منتجًا استثماريًّا «للبيع».
الهندسة والنقل: الأساس غير المرئي
خضع المشروع لحسابات تفصيلية لجميع الأنظمة الهندسية:
-
المياه، والتدفئة، والكهرباء، والصرف الصحي؛
-
إعادة توجيه الشبكات الرئيسية؛
-
تحديث محطات الغلايات والمحطات الفرعية.
نموذج النقل غير موجَّه للسيارات:
-
سهولة الوصول مشيًا إلى المترو والنقل العام السطحي؛
-
شبكة شوارع متطوّرة؛
-
توفّر مواقف سيارات بنسبة تقارب 85–86% كقيدٍ واعٍ على الاعتماد على السيارات.
المدينة الكبرى كنظام لا كنقطة
لا يطمح مشروع KRT قيد الدراسة إلى أن يكون «موسكو سيتي ثانيًا». فدوره مختلف:
-
توزيع النشاط التجاري؛
-
تخفيف الضغط عن بريسنيا؛
-
تشكيل المحور الشمالي-الغربي للمدينة الكبرى.
يبقى موسكو سيتي هو النواة، لكن مثل هذه المشاريع هي التي تجعل المدينة الكبرى واقعًا — لا شعارًا، بل بنية حضرية مترابطة.
الخلاصة
لم تعد المدينة الكبرى فكرةً أو مستقبلًا بعيدًا، بل عملية تجري الآن.
ويُعدّ مشروع التطوير المتكامل للأراضي قرب جادة لينينغرادسكي أحد أكبر وأكثر نماذجها دلالة.
وهو يبيّن:
-
كيف تتجاوز موسكو النمو أحادي المركز؛
-
كيف تتحوّل المناطق الصناعية إلى حضرية؛
-
كيف لم يعد مركز الأعمال في المدينة نقطةً واحدة على الخريطة.
المدينة الكبرى هي امتداده المنطقي.
مواد ذات صلة:
المدينة الكبرى – مركز الأعمال الجديد في موسكو