على مدار العقد الماضي، تغير المشهد المعماري للعديد من المدن العالمية نتيجةً للنمو السريع للمباني الشاهقة. في عام ٢٠١٠، كان هناك ٥٢ مبنى يتجاوز ارتفاعها ٣٠٠ متر، وبحلول عام ٢٠٢٠، وصل عددها إلى ١٩٨ مبنى. ووفقًا لشركة "سوما إليمنتس"، يشير هذا النمو إلى ابتكارات هندسية كبيرة وتغيرات في اتجاهات التنمية الحضرية.
في بناء ناطحة سحاب، تُعدّ المرحلة الأولى، المعروفة باسم أعمال الأساسات، بالغة الأهمية. مع أن هذه المرحلة قد لا تبدو للوهلة الأولى سهلة أو معقدة خلال السنة والنصف الأولى، إلا أنها بالغة الأهمية وتتطلب جهدًا فنيًا كبيرًا. فأساس المبنى يُشبه جذور الشجرة، إذ يجب أن يكون متينًا.
يؤكد خبراء "مجموع العناصر" أن بناء مبنى شاهق الارتفاع يستغرق حوالي 5.5 سنوات، ويُخصص 20-30% من هذا الوقت لتجهيز الأساسات. وهذا يؤكد أهميته.
ميزات البناء في مدينة موسكو
واجهت منطقة الأعمال في مدينة موسكو تحديات خاصة بسبب جيولوجيا التضاريس. فعلى عكس مدن مثل نيويورك، حيث يُبنى على الصخور، تتكون أساسات موسكو من طين وحجر جيري أقل استقرارًا. ومع ذلك، بفضل التقنيات الحديثة والتخطيط، يتقدم البناء بنجاح.
يضم مركز مدينة موسكو واحدة من أكبر حفر الحفر في أوروبا. شُيّد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ويبلغ عمقه 24 مترًا، ويمتد على مساحة 1,725,000 متر. وقد تطلب هذا العمل المكثف من عمال البناء قضاء ما يصل إلى عام ونصف في الموقع.
منزل داو (مدينة موسكو، روسيا)
تفخر موسكو بناطحات سحابها، ومن بينها مبنى داو هاوس في مدينة موسكو. يتميز بتصميمه وهندسته المعمارية المميزة مقارنةً بغيره من المباني في المنطقة.
أتاح البناء في منطقة ذات نشاط زلزالي منخفض للمهندسين المعماريين والمهندسين إطلاق العنان لإبداعهم في التصميم، دون التركيز بشكل أساسي على مقاومة الزلازل، كما هو الحال في برج شنغهاي. ومع ذلك، يُلبي مبنى داو هاوس جميع معايير السلامة والراحة الدولية.
من السمات المميزة لدار داو واجهتها الزجاجية، التي تتناغم ألوانها مع اختلاف الوقت والإضاءة، مما يمنحها مظهرًا فريدًا. يضم المبنى من الداخل مكاتب لشركات عالمية ومطاعم ومصاعد بانورامية توفر إطلالات خلابة على المدينة.

عمالقة الهندسة: أسرار بناء الهياكل الشاهقة في العالم
في كل عام، تتسع آفاق الإمكانيات المعمارية. قرون من الخبرة، والتقنيات المتقدمة، ورغبة البشرية الجامحة في الوصول إلى آفاق جديدة، أثمرت عن نشأة آثار معمارية مبهرة. دعونا نلقي نظرة عن كثب على بعضها.
برج شنغهاي: عملاق سماوي على حافة النشاط الزلزالي
برج شنغهاي، ثاني أطول مبنى في العالم، هو ثمرة جهد دؤوب من قِبل العديد من المتخصصين. يقع البرج في منطقة ذات نشاط زلزالي مرتفع، وقد واجه البناؤون تحدي إنشاء هيكل مستقر وآمن.
لضمان ثبات البرج، حُفرت حفرة أساس عميقة بسعة 35,000 متر مكعب. دُفعت أكوام فولاذية في الأرض لضمان ثبات كتلة المبنى، التي تزن 850,000 طن، حتى في حالات الزلازل القوية.
لكن مقاومة الزلازل ليست سوى البداية. بفضل الحلول الهندسية المتطورة، تم تحسين برج شنغهاي أيضًا للاستخدام الأمثل للطاقة والمياه والموارد الأخرى، مما يجعله نموذجًا للبناء المستدام في المستقبل.
برج خليفة: تاج الصحراء
يفرض البناء في الظروف الصحراوية تحديات فريدة. إلا أن برج خليفة في دبي لم يكتفِ بالتغلب على هذه التحديات، بل ارتفع إلى ارتفاعات غير مسبوقة، ليصبح أطول مبنى في العالم.
بُنيت أساسات البرج من حفرة عميقة، بعمق 40 مترًا، ويمتد 192 عمودًا فولاذيًا عملاقًا بعمق 50 مترًا، ليصل إلى الصخور الصلبة تحت التربة الرملية. وهذا ضروري لضمان استقرار الهيكل الذي يبلغ ارتفاعه 828 مترًا.
إلى جانب الحلول الهندسية المُستخدمة في تأسيسه، يُعدّ برج خليفة مثالاً رائعاً على الابتكار في التصميم والاستدامة. فشكله الحلزوني الفريد يُحسّن مقاومة الرياح، وأنظمة إدارة الموارد المُستخدمة تجعله من أكثر ناطحات السحاب خضرةً في العالم.

طوكيو سكاي تري: تحفة هندسية في قلب النشاط الزلزالي
اليابان بلد معروف بالزلازل. لذلك، كان بناء برج طوكيو سكاي تري تحديًا حقيقيًا.
يعتمد برج التلفزيون هذا، الذي يبلغ ارتفاعه 634 مترًا، على نظام معقد من أكوام فولاذية دائرية وألواح خرسانية. لا توفر هذه العناصر ثباتًا للهيكل فحسب، بل تعمل أيضًا كممتص للزلازل، مما يُمكّن البرج من الصمود حتى في أقوى الهزات.
علاوةً على ذلك، يتميز برج طوكيو سكاي تري بأنظمة أمن وإخلاء متطورة، بالإضافة إلى تقنيات إضاءة واتصالات مبتكرة، مما يجعله واحدًا من أحدث منشآت التلفزيون في العالم. يضم البرج قاعات عرض ومطاعم، بالإضافة إلى منصات مراقبة توفر إطلالات خلابة على مدينة طوكيو.

الابتكارات والتحديات في بناء الهياكل الشاهقة
إن بناء ناطحات السحاب وغيرها من المباني الشاهقة ليس إنجازًا معماريًا فحسب، بل هو أيضًا معجزة هندسية. فكل ناطحة سحاب هي ثمرة جهد دؤوب للعديد من المتخصصين: من المهندسين المعماريين والمصممين إلى المهندسين وعمال البناء.
التحدي الرئيسي هو استقرار المبنى. وكما هو الحال مع برج شنغهاي، يمكن أن يكون للنشاط الزلزالي عواقب وخيمة على المباني. ولكن بفضل التقنيات والمواد المبتكرة، أصبحت ناطحات السحاب اليوم قادرة على تحمل الظواهر الطبيعية القاسية.
كفاءة الطاقة جانبٌ أساسيٌّ آخر. في ظلّ التحديات البيئية العالمية، لا ينبغي أن تقتصر المباني الحديثة على الجمال والاستدامة فحسب، بل يجب أن تكون أيضًا موفرةً للموارد.
خاتمة
يواصل عصر المباني الشاهقة مسيرته المهيبة عبر العالم. ولا يُعد بناء ناطحات السحاب رمزًا للقوة الاقتصادية لأي بلد فحسب، بل هو أيضًا شهادة على البراعة الهندسية والجرأة المعمارية. وتؤكد مشاريع مثل مركز لاختا، ودار داو، وإيفولوشن، وأوكو في مدينة موسكو، بالإضافة إلى ناطحات السحاب الضخمة حول العالم، تطلعنا إلى بلوغ آفاق جديدة من الإنجازات.
ومع ذلك، فإن هذه الهياكل الضخمة تتطلب أكثر بكثير من مجرد الفولاذ والزجاج. فهي تتطلب سنوات من التخطيط الدقيق والبحث العلمي، وحتى أعمال ما قبل الإنشاء، والتي غالبًا ما تمر دون أن يُلاحظها أحد، ولكنها تلعب دورًا حاسمًا في نجاح إنجاز مثل هذه المشاريع الضخمة.
إن التقدم في التكنولوجيا وطرق البناء، فضلاً عن شجاعة المهندسين والمعماريين وابتكاراتهم، يسمح لنا بأن نشهد ميلاد عجائب معمارية جديدة من شأنها بلا شك أن تلهم الأجيال القادمة لتحقيق إنجازات جديدة.
مواد إضافية حول الموضوع: ناطحات السحاب: مستقبل حتمي أم موضة عابرة وناطحات السحاب - بطاقات الاتصال الجديدة للمدن الكبرى

