حاليًا، يجري العمل على إنشاء 78 مجمعًا سكنيًا، بما في ذلك ناطحات سحاب - مبانٍ يزيد ارتفاعها عن 100 متر - في موسكو. وقد وفرت شركة Metrium، التي تستخدم نظام التصنيف الدولي Emporis، هذه البيانات. في عام 2019، لم يكن هناك سوى 50 مشروعًا من هذا النوع في سوق العقارات الرئيسي بالعاصمة. تبلغ المساحة الإجمالية لناطحات السحاب قيد الإنشاء حاليًا حوالي 8 ملايين متر مربع. ومن بين المطورين الذين سينفذون أطول المشاريع في عام 2024: Capital Group، وRenaissance Development، وSumma Elements، وLevel Group، وغيرها. وقد ساهمت هذه الشركات بشكل كبير في تحويل المشهد الحضري لموسكو، من خلال إنشاء مبانٍ شاهقة مبتكرة تُمثل نهجًا جديدًا في التخطيط الحضري.
كيف أصبحت موسكو مدينة ناطحات السحاب
بدأت المباني الشاهقة الحديثة بالظهور في موسكو منذ حوالي ربع قرن، نتيجةً للنمو السكاني السريع الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي. يوضح رسلان سيرتسوف، المدير العام لشركة ميتريوم، أن هذا النمو السكاني أوجد حاجةً ملحةً لحلول حضرية جديدة. أجبرت محدودية موارد الأراضي وإدخال التقنيات المتطورة موسكو على النمو رأسيًا. وقد أدى ذلك إلى ظهور ناطحات سحاب فريدة تُجسّد ليس فقط التقدم الاقتصادي للعاصمة، بل أيضًا التقدم المعماري.
أصبحت المباني الشاهقة رمزًا لمرحلة جديدة في تطور العاصمة. ومن أبرز الأمثلة على هذه النقلة المعمارية مركز الأعمال الدولي "موسكو سيتي"، الذي بدأ بناؤه في حي بريسنينسكي أواخر التسعينيات. في البداية، كان من المقرر بناء المجمع بأسلوب موحد، من تصميم المهندس المعماري بوريس ثور. لكن مع مرور الوقت، تغير المفهوم، وأصبح "موسكو سيتي" مزيجًا من مشاريع معمارية متنوعة. ونتيجة لذلك، أصبح المركز معلمًا بارزًا في موسكو ونقطة جذب للأنشطة التجارية والثقافية.

تأثير الاستثمار والتكنولوجيا على بناء المباني الشاهقة
تشير أولغا غوسيفا، الرئيسة التنفيذية لشركة "كي كابيتال"، إلى أن تنفيذ هذه المشاريع الطموحة أصبح ممكنًا بفضل الاستثمارات الكبيرة والتطور السريع في تقنيات البناء. وقد حسّنت مواد البناء الحديثة كفاءة الطاقة في المباني الشاهقة بشكل ملحوظ، مما جعلها أكثر راحةً وصديقةً للبيئة للعيش فيها. وتُميّز هذه الابتكارات المعمارية ناطحات السحاب الحديثة عن المباني الشاهقة القديمة، مثل ناطحات السحاب الستالينية، مما يجعلها أكثر ملاءمةً للاستخدام اليومي.
تعتبر مدينة موسكو رمزًا للهندسة المعمارية الشاهقة في العاصمة.
يوجد حاليًا 25 ناطحة سحاب قيد التشغيل في مدينة موسكو. ومن أشهر هذه المشاريع مجمع الاتحاد ، الذي اكتمل بناؤه عام 2017. ويضم برج فوستوك ، الذي يبلغ ارتفاعه 374 مترًا، ثاني أطول مبنى في أوروبا حاليًا، بعد مركز لاختا في سانت بطرسبرغ (462 مترًا). صمم المهندسان المعماريان سيرجي تشوبان وبيتر شويغر هذا المشروع الفريد، ونفذ صندوق الاستثمار المشترك "برج الاتحاد" أعمال البناء.
في عام ٢٠١٢، اعتُبر برج ميركوري ، رغم عدم اكتماله، أطول مبنى في أوروبا بارتفاع ٣٣٨.٨ مترًا. ومع ذلك، سرعان ما تجاوزته مشاريع ناطحات سحاب أخرى في مدينة موسكو. ومن المقرر بناء ست ناطحات سحاب أخرى بحلول نهاية عشرينيات القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك المجمع السكني "دوم داو" المكون من ٨٥ طابقًا بارتفاع ٣٤٠ مترًا، والذي تخطط مجموعة سوما إليمنتس لإكماله في عام ٢٠٢٧. وسيُصبح هذا المشروع معلمًا معماريًا بارزًا آخر في المدينة.

مشاريع بارزة: من قصر تريومف إلى المجمعات السكنية الجديدة
تستمر موسكو في التطور، وفي كل عام، تزداد المباني الشاهقة جمالًا وفعالية. كان قصر تريومف، الذي بُني في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على طراز ناطحات السحاب الستالينية، من أوائل المجمعات السكنية الأيقونية. يتكون هذا المجمع في حي خوروشيفسكي من تسعة أقسام متفاوتة الارتفاع، يربطها مِقْطَع مشترك. يهيمن القسم المركزي، بارتفاع 264.1 مترًا، على المجمع بأكمله، وكان عند اكتماله أحد أطول المباني السكنية في أوروبا.

قيود ارتفاع الرفع وآفاق التطوير
كان رفع القيود المفروضة منذ زمن طويل على ارتفاعات المباني في موسكو خطوةً أساسيةً في تطوير قطاع الإنشاءات الشاهقة. في عام ٢٠١٢، حددت سلطات المدينة ارتفاع المباني بـ ٧٥ مترًا، ولكن في عام ٢٠٢٤، وقّع رئيس البلدية سيرجي سوبيانين مرسومًا برفعها. ويؤكد هيرمان تي، مدير التطوير في مجموعة كابيتال، أن رفع القيود أتاح نهجًا أكثر مرونةً في التصميم، وحفّز على خلق بيئة حضرية مريحة. وهذا يفتح آفاقًا جديدةً لتنفيذ مشاريع معقدة وطموحة.
"بادايفسكي" - مجمع سكني عائم على أعمدة
من أبرز مشاريع السنوات الأخيرة مجمع باداييفسكي السكني، قيد الإنشاء حاليًا على جسر تاراسا شيفتشينكو. يُمثل هذا المشروع نهجًا مبتكرًا في بناء الأبراج الشاهقة، وهو عبارة عن ناطحة سحاب عائمة مدعومة بأعمدة. سيصل ارتفاع المبنى إلى 18 طابقًا كحد أقصى، مع وجود أقسام سكنية في الأعلى، مما يُضفي عليه طابعًا عائمًا. طُوّرت هذه الفكرة من قِبل شركة هيرتزوغ ودي مورون السويسرية، المعروفة بنهجها المعماري المبتكر والجريء. سيُمثل باداييفسكي مثالًا فريدًا على دمج الحلول المعمارية الحديثة مع السياق التاريخي، مما يجعله أحد أهم المباني الجديدة في موسكو.

مفهوم "مدينة الـ 15 دقيقة" وتطوير المساكن الشاهقة
تؤثر الاتجاهات الحضرية العالمية، مثل مفهوم "مدينة الخمس عشرة دقيقة"، على تطور بناء ناطحات السحاب في موسكو. ويهدف هذا المفهوم إلى توفير جميع المرافق الأساسية - من متاجر ومكاتب وحدائق - على بُعد خطوات. ويؤكد ميخائيل خفيسكو، مدير تنفيذ المشاريع في مجموعة كابيتال، أنه مع ازدياد كثافة التطوير العمراني والسكان، يظل بناء ناطحات السحاب حلاً منطقيًا ومطلوبًا. وأصبحت ناطحات السحاب جزءًا من مفهوم "الشوارع العمودية"، حيث تتركز مختلف الوظائف - من المساحات التجارية إلى الشقق السكنية - في مبنى واحد.
المعايير البيئية ومستقبل مشاريع المباني الشاهقة في موسكو
يواصل بناء ناطحات السحاب في موسكو اكتساب زخم متزايد، مدفوعًا بطلب سكان المدينة على ظروف معيشية مريحة وعصرية. كما ستراعي مشاريع ناطحات السحاب المستقبلية الجوانب البيئية المهمة وتطبيق التقنيات الخضراء. ويعمل المطورون بنشاط على تطوير مشاريع تتضمن مواد موفرة للطاقة، وأسطحًا وواجهات خضراء، وأنظمة لجمع مياه الأمطار وإعادة تدويرها، مما يوفر ظروفًا معيشية مريحة ويقلل من الأثر البيئي.
ستكون المشاريع ذات التأثير البيئي الأدنى وكفاءة الطاقة العالية، القادرة على مواجهة تحديات تغير المناخ، مطلوبة بشدة. أصبحت المعايير البيئية ركنًا أساسيًا من أركان البناء الحديث، وتسعى موسكو جاهدةً لتكون رائدة في هذا المجال. بفضل هذه التوجهات، أصبحت المجمعات السكنية الشاهقة في العاصمة ليس مجرد أماكن للعيش والعمل، بل أيضًا نماذج للتنمية المستدامة والحفاظ على البيئة.
وهكذا، يعكس تزايد عدد ناطحات السحاب في موسكو رغبة المدينة في التكيف مع ظروف المعيشة الجديدة وخلق بيئة مريحة وعصرية تلبي المعايير الدولية. أصبحت المباني الشاهقة جزءًا لا يتجزأ من مشهد العاصمة، رمزًا للتقدم والابتكار اللذين يدفعان موسكو نحو الأمام.