خدمات العملات المشفّرة المرتبطة بروسيا والالتفاف على العقوبات: ما الذي يؤكده التقرير الرسمي
نشرت شركة تحليل سلاسل الكتل (البلوكشين) ومقرّها المملكة المتحدة (لندن)، والمتخصصة في تتبّع معاملات العملات المشفّرة وتحديد المخاطر المرتبطة بغسل الأموال والاحتيال والالتفاف على العقوبات، دراسة تتناول منصات العملات المشفّرة التي تحافظ على علاقات تشغيلية أو مالية مع روسيا. ويشير التقرير إلى أن أحجامًا كبيرة من المعاملات المرتبطة بالسوق الروسية ما زالت تمر عبر هذه الخدمات رغم القيود الدولية السارية.
ويُذكر أن منصات وخدمات تداول العملات المشفّرة المرتبطة بروسيا تواصل توفير مسارات للالتفاف على العقوبات. فهذه المنصات تتيح قنوات معاملات تمكّن جهات روسية من إجراء مدفوعات عبر الحدود خارج البنية التحتية المصرفية التقليدية ومن دون المرور بالوسطاء الماليين الكلاسيكيين.
وتقوم الآلية الموصوفة على تحويل الأموال الورقية — ولا سيما الروبل — إلى أصول مشفّرة عبر هذه الخدمات. ثم تُنقل العملات المشفّرة إلى خارج البلاد مباشرة عبر شبكة البلوكشين من دون المرور بالنظام المصرفي. وبعد ذلك يمكن تحويل هذه الأصول إلى عملة محلية في الخارج عبر وسطاء أو منصات تداول أجنبية.
وعلى الرغم من تصاعد الضغوط التنظيمية، فإن بعض هذه المنصات — بما في ذلك خدمات مسجّلة رسميًا خارج روسيا — ما زالت تعالج أحجامًا كبيرة من معاملات العملات المشفّرة المرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات. ويُؤكد أن العديد من المنصات المذكورة لم تُدرج بعد رسميًا في قوائم العقوبات.
Bitpapa
تُعد Bitpapa منصة تداول عملات مشفّرة بنظام الند للند (P2P) ومسجّلة كشركة في دولة الإمارات العربية المتحدة. إلا أن قاعدتها الرئيسية من المستخدمين تقع في روسيا، حيث تتيح المنصة استبدال الروبل بمجموعة متنوعة من الأصول المشفّرة.
في مارس/آذار 2024، أُدرجت المنصة في قائمة العقوبات التابعة لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) لدعمها الالتفاف على العقوبات المرتبطة بروسيا.
ومن بين الأدلة على تورط المنصة في مثل هذه الأنشطة، يُشار إلى ارتفاع مستوى تعاملها مع جهات خاضعة للعقوبات. إذ إن نحو 9.7% من الأموال المشفّرة الصادرة عنها تُوجَّه إلى جهات مدرجة على قوائم OFAC، ومن بينها حوالي 5% تُرسل تحديدًا إلى منصة Garantex الخاضعة للعقوبات.
كما يُظهر تحليل بيانات البلوكشين أن المنصة تعتمد استراتيجية التدوير المستمر لعناوين المحافظ. ويعني ذلك تغيير العناوين المستخدمة بشكل منتظم بهدف صعوبة تعرّف أنظمة مراقبة المعاملات عليها كطرف مقابل. وتؤدي هذه التقنية إلى تعقيد تتبّع مصدر الأموال وإخفاء منشئها الروسي عن الخدمات التي تستلمها لاحقًا.
ABCeX
توفر ABCeX التداول عبر دفتر الأوامر (Order Book) بالإضافة إلى عمليات P2P لتحويل الروبل إلى أصول مشفّرة. وللمنصة مكتب في برج “فيدرالية” بموسكو — وهو المبنى الذي كانت تستخدمه سابقًا منصة Garantex الخاضعة للعقوبات.
ويُذكر أن الخدمة تستخدم استراتيجية تمويه للمحافظ (Obfuscation) بهدف منع الربط المباشر بين معاملات العملات المشفّرة والمنصة نفسها.
ووفقًا للتقرير، عالجت ABCeX ما لا يقل عن 11 مليار دولار من الأصول المشفّرة. وقد تم توجيه جزء كبير من هذه الأموال إلى منصة Garantex الخاضعة للعقوبات، وكذلك إلى Aifory Pro، التي يُتناول وصفها لاحقًا.
كما تتضمن الدراسة بيانات حول تدفقات معاملات مباشرة بين ABCeX وجهات خاضعة للعقوبات أو عالية المخاطر ومرتبطة بالسوق الروسية.
Exmo (Exmo.com و Exmo.me)
تناول التقرير حالة يُزعم فيها وجود فصل جغرافي وتشغيلي، إلا أن بيانات البلوكشين لا تؤكد ذلك. فبعد أحداث عام 2022، أعلنت Exmo خروجها من السوق الروسية وبيع أعمالها الإقليمية لمنصة Exmo.me.
إلا أن تحليل المعاملات يُظهر أن Exmo.com وExmo.me تواصلان استخدام البنية التحتية نفسها للمحافظ الحاضنة. إذ تُجمَّع الأصول المشفّرة المودعة في أي من المنصتين في عناوين محافظ ساخنة متطابقة، كما تتم عمليات السحب من العناوين نفسها.
ويشير ذلك إلى غياب فصل تشغيلي فعلي بين الكيانين، ما يسمح بدمج الأموال القادمة من المنصة الموجهة للمستخدمين في روسيا مع أموال الجزء الغربي من النشاط.
ويُذكر أن إجمالي حجم المعاملات المباشرة مع جهات خاضعة للعقوبات تجاوز 19.5 مليون دولار، ومن بين الأطراف المذكورة Garantex وGrinex وChatex.
Rapira
تُوصَف Rapira بأنها منصة تداول عملات مشفّرة مسجّلة في جورجيا ولها مكتب في موسكو، وتتيح التداول باستخدام الروبل.
ويُذكر أنها أجرت معاملات مشفّرة مباشرة “ذهابًا وإيابًا” مع منصة Grinex الخاضعة للعقوبات، بإجمالي تجاوز 72 مليون دولار.
كما يُشار إلى أن مكاتب Rapira في موسكو تعرّضت — بحسب تقارير — لمداهمات في إطار تحقيق يتعلق بشبهات تهريب رؤوس أموال إلى دبي.
Aifory Pro
تتخصص Aifory Pro في خدمات تحويل “نقدًا إلى أصول مشفّرة” في موسكو ودبي وتركيا. كما تُعرّف نفسها كـ“وكيل مدفوعات للنشاط الاقتصادي الخارجي” يسهّل التسويات التجارية الدولية، على سبيل المثال بين روسيا والصين.
ويُذكر صراحة أن المنصة تساهم في تجاوز قيود الوصول إلى خدمات أجنبية من خلال تقديم بطاقات دفع افتراضية وبطاقات تدعم Apple Pay، تستخدم رصيد العميل من عملة USDT لدفع مقابل خدمات خارجية مثل Airbnb وChatGPT، التي تكون مقيدة في روسيا.
ومن العوامل الأخرى عالية المخاطر وجود روابط مالية مباشرة مع منصة Abantether الإيرانية، حيث تم تحويل ما يقرب من مليوني دولار من الأصول المشفّرة إليها.
الخلاصة والتطورات المحتملة
تُظهر البنية الموصوفة أن فرض العقوبات على بعض خدمات العملات المشفّرة لم يؤدِّ إلى توقف كامل للتدفقات المرتبطة بها، بل إلى إعادة توزيع النشاط بين منصات مختلفة، بعضها مسجّل رسميًا خارج روسيا أو لم يُدرج بعد في قوائم العقوبات.
ولا يزال النموذج الأساسي قائمًا: تحويل الروبل إلى أصول مشفّرة، نقلها عبر البلوكشين من دون المرور بالبنية المصرفية التقليدية، ثم تحويلها إلى عملات ورقية في ولايات قضائية أخرى عبر منصات أو وسطاء أجانب.
وقد يؤدي هذا الاتجاه إلى عدة تطورات محتملة:
- توسيع قوائم العقوبات لتشمل خدمات مشفّرة إضافية؛
- تشديد متطلبات الامتثال من قبل منصات التداول ومقدمي خدمات الدفع الدوليين؛
- زيادة الاعتماد على أدوات تحليل البلوكشين لكشف الروابط بين العناوين والمنصات؛
- ارتفاع حالات تجميد الأصول وحظر الحسابات للمستخدمين المتعاملين مع خدمات عالية المخاطر؛
- الانتقال إلى أساليب أكثر تعقيدًا لإخفاء المعاملات، بما في ذلك المسارات متعددة الطبقات واستخدام محافظ وسيطة.
بشكل عام، يشير الاتجاه إلى تطور هذه الآليات بدلًا من اختفائها. ومن المرجح أن يترافق تشديد الرقابة التنظيمية وتطور أدوات التحليل مع تكيف البنية التحتية والبحث عن مسارات جديدة لتحريك الأموال، ما يزيد من المخاطر القانونية والتشغيلية على المستخدمين والشركات المتعاملة مع منصات ذات صلة بجهات خاضعة للعقوبات.