في ديسمبر 2024، سيُزيّن بهو مجمع أبراج موسكو في مركز موسكو سيتي التجاري بجدارية ضخمة بعنوان "ديوس بارتيكولا"، من إبداع الفنان الموهوب أندريه بيرغر. لن يقتصر هذا العمل على مجرد ديكور داخلي، بل سيُجسّد رمزًا حقيقيًا للانطلاقة الفنية والتفسير المعاصر للفن في الأماكن العامة بالمدينة.
مفهوم إبداعي
لوحة "ديوس بارتيكولا" ليست مجرد عنصر زخرفي؛ بل تُجسّد مفهوم الضوء الذي يخترق الحدود المعمارية ويملأ الفراغ. استلهم الفنانون فكرتهم من صورة شعاع ضوء يندفع إلى مبنى، فيملأه انعكاسات، ويخلق إحساسًا بالحركة. اقترح بيرغر التعبير عن هذه الفكرة من خلال هيكل معقد يتكون من آلاف الصفائح المعدنية، كل منها بمثابة "جسيم إلهي". لا ترمز هذه الجسيمات إلى الضوء فحسب، بل تتفاعل باستمرار مع الفضاء المحيط من خلال آلية دوران فريدة، مما يضفي حيوية على العمل بأكمله.
ستُنفَّذ الجدارية على شكل لوحتين جداريتين ضخمتين، أبعادهما 32 مترًا × 11 مترًا، تُزيِّنان جانبي ردهة المجمع. يعكس المفهوم بحد ذاته النهج الفلسفي للفنان تجاه البيئة المعمارية: فهو يسعى إلى ربط المبنى بمحيطه، مُبرزًا التفاعل الوثيق بين الناس والفن وديناميكيات المدينة.

الفريق الإبداعي والتنفيذ
كان هذا المشروع ثمرة مسابقة مفتوحة نظمتها وكالة آرس نوفا عام ٢٠٢٣. شارك في المسابقة عدد من الفنانين المشهورين، لكن الفائز كان أندريه بيرغر، الذي اشتهرت أعماله منذ زمن طويل، ليس فقط في روسيا، بل في أوروبا أيضًا. تُزيّن أعماله مدنًا وعقارات علامات تجارية عالمية مثل بوما، وبي إم دبليو، وإم تي إس، وشاومي، وسواتش، وهوغو بوس.
لتنفيذ التنفيذ الفني للمشروع، تم تشكيل تحالف فريد من نوعه، وهو "ماكروفابريكا-ستركتورا"، المتخصص في دمج الفن في المساحات المعمارية. وقد نتج عن هذا التعاون مصنع فني حقيقي، حيث خضعت 14,000 لوحة ذهبية، تُستخدم في الجداريات، لعملية تحضير دقيقة ومتعددة المراحل. وُضعت هذه اللوحات على حامل مصمم خصيصًا، مما يتيح تطبيق خطوط طلاء متواصلة بسهولة، مما يُنتج صورًا فنية معقدة على سطح مستوٍ تمامًا.
بعد اكتمال اللوحة، قُسِّمت الألواح إلى أجزاء وأُرسِلت للتركيب النهائي في ردهة أبراج موسكو، حيث وُضِعَت كل لوحة بزاوية دقيقة، مُشكِّلةً عملاً ثلاثي الأبعاد متعدد الطبقات. تطلبت هذه العملية دقةً فائقة، إذ يجب أن يتفاعل كل "جسيم" مع المساحة المحيطة، مُنشئًا حركةً دائمةً من الضوء والظل.

المفهوم المعماري والتقنيات الفريدة
قامت شركة UNK Interiors، الشركة المعمارية المسؤولة عن التصميم الداخلي لبهو أبراج موسكو، بتطوير المفهوم العام، الذي جسّد ببراعة العمل الفني "ديوس بارتيكولا". كان الهدف الرئيسي هو خلق مساحة لا تعكس جماليات مركز الأعمال فحسب، بل تُصبح أيضًا جزءًا من البيئة الثقافية للمدينة.
لعبت الحلول الهندسية المبتكرة التي طورها تحالف "ماكروفابريكا-ستركتورا" دورًا محوريًا في المشروع. حوّل مهندسو الشركة رسومات الفنان إلى نموذج خوارزمي يراعي جميع السمات المعمارية للمبنى، بما في ذلك أنظمة التهوية والإضاءة المعقدة. شكّل هذا النموذج أساسًا لحسابات دقيقة للأحمال وتطوير هياكل أساسية تضمن استقرار ومتانة القطعة الفنية.

التأثير على البيئة الحضرية
يتجاوز مشروع "ديوس بارتيكولا" التصميم التقليدي للعقارات التجارية. ففكرته الأساسية هي خلق بيئة فنية تُصبح نقطة جذب جديدة لسكان موسكو. وخلافًا للفن التقليدي الموجود في المتاحف والمعارض الفنية، ستكون هذه القطعة الفنية جزءًا من الحياة اليومية لمن يمرون عبر ردهات الأبراج. ولن تقتصر وظيفة الجدارية الضخمة على كونها عنصرًا زخرفيًا فحسب، بل ستكون أيضًا جسرًا فنيًا يربط بين هندسة المبنى وبيئته الحضرية.
يُبرز ظهور "ديوس بارتيكولا" التزام مدينة موسكو بدمج الفن في بيئة أعمالها، مما يجعلها عملية وثرية جماليًا. يُجسّد هذا المشروع كيف يُمكن للتكنولوجيا الحديثة والفن الإبداعي أن يُحوّلا المساحات العامة، مُضفيين عليها معنى جديدًا، ومُخلّفين أثرًا عاطفيًا لدى الزوار.
وبهذا، سيصبح المعروض الفني Deus Particula حدثًا ثقافيًا مهمًا ليس فقط لأبراج موسكو، بل لكل موسكو، مما يؤكد مكانتها كمركز للفن والهندسة المعمارية المعاصرة.
كتبنا سابقًا عن "الخوارزميات والفن: إعادة تصور بهو أبراج موسكو في مركز الأعمال الدولي في مدينة موسكو ".